أحمد مصطفى المراغي
13
تفسير المراغي
محو ذلك بالإسلام حتى لا يعرف إلا النسب الصريح ومن ثم قال في أول السورة « وما جعل أدعياء كم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم واللّه يقول الحقّ وهو يهدى السّبيل . ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند اللّه » وبهذا حرم على المسلمين أن ينسبوا الدعىّ إلى من تبناه ، وأن يكون للمتبنّى إلا حق المولى والأخ في الدين وحظر عليهم أن يقتطعوا له من حقوق الابن لا قليلا ولا كثيرا . وما رسخ في النفوس بحكم العادة لا يمكن التخلص منه إلا بإرادة قوية تسخر بسلطانها ، ولا تجعل لها حكما في الأعمال إذا كانت المصلحة في خلاف ذلك ، ومن ثم ألهم اللّه رسوله أن يلغى هذا الحكم بالعمل كما ألغى بالقول في أحد عتقائه . ومن ثمّ أرغم بنت عمته لتتزوج بزيد وهو متبناه ليكون هذا الزواج مقدمة لتشريع إلهي جديد . ذلك أنه بعد أن تزوجها زيد شمخت بأنفها عليه وجعلت تفخر عليه بنسبها ، فاشتكى منها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المرة بعد المرة وهو عليه السلام يغلبه الحياء في تنفيذ حكم اللّه ويقول لزيد : أمسك عليك زوجك واتق اللّه ، إلى أن غلب حكم اللّه وسمح لزيد بطلاقها ، ثم تزوجها بعد ذلك ليمزّق حجاب تلك العادة كما قال : « لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا » ثم أكد هذا بقوله : « ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً » الإيضاح ( وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) أي ليس لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللّه ورسوله قضاء أن يتخيروا من أمرهم غير الذي قضى فيهم ويخالفوا أمر اللّه ورسوله وقضاءهما ويعصياهما